ابن أبي الحديد
73
شرح نهج البلاغة
بيتك وسلفك ، فإنهم لما حاولوا النظر رجعوا بآخره إلى السمعيات ، وتركوا العقليات ، لأنها أفضت بهم إلى ما لا يعرفونه ، ولا هو من تكليفهم . ثم قال له : فإن كرهت التقليد المحض ، وأحببت أن تسلك مسلكهم في النظر ، وإن أفضى بك الامر بأخرة إلى تركه والعود إلى المعروف من الشرعيات وما ورد به الكتاب والسنة ، فينبغي أن تنظر وأنت مجتمع الهم خال من الشبهة ، وتكون طالبا للحق غير قاصد إلى الجدل والمراء ، فلما وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني ، ولم يجز عندنا أن يأمر أمير المؤمنين عليه السلام ولده ( 1 ) مع حكمته وأهلية ولده بالتقليد وترك النظر ، رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به عليه السلام من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأمر به . واعلم أنه قد أوصاه إذا هم بالشروع في النظر بمحض ما ذكره المتكلمون ، وذلك أمور : منها أن يرغب إلى الله في توفيقه وتسديده . ومنها أن يطلب المطلوب النظري بتفهم وتعلم ، لا بجدال ومغالبة ومراء ومخاصمة . ومنها إطراح العصبية لمذهب بعينه ، والتورط في الشبهات التي يحاول بها نصرة ذلك المذهب . ومنها ترك الألف والعادة ، ونصرة أمر يطلب به الرياسة ، وهو المعني بالشوائب التي تولج في الضلال . ومنها أن يكون صافي القلب مجتمع الفكر غير مشغول السر بأمر من جوع
--> ( 1 ) ساقطة من أ .